كل منا يعيش في عدة عوالم كما يعيش كل منا في عوالمه الخاصة والمختلفة في امور عن عوالم الاخرين، كيف يكون ذلك؟ اولا هناك العالم المادي، الاشياء من حولنا، المباني والشوارع والاشياء الاخرى، سيقول شخص اننا كلنا نرى نفس العالم المادي، وهذا صحيح وغير صحيح، فطفل عمره خمس سنوات قد يجد ان اخته ذات الست سنوات ضخمة ومخيفة بينما تجدها انت طفلة صغيرة الحجم وبريئة، هي ذاتها الطفلة ولكن لا تراها انت كما يراها الطفل، والحالة النفسية تحدد ايضا ما نرى من امور وما لا نرى، كنت اطلب من طلبتي في الجامعة ان يذهبوا فرادى الى شارع معين شهير في مدينة بوسطن اسمه نيوبري، واطلب منهم ان يحملوا مسجلا او قلما وورقة ويسجلوا خلال سيرهم في الشارع كل ما يرون والمشاعر التي يثيرها ما يرون فيهم، ثم يأتون للفصل ويسمعونا ما سجلوا او كتبوا، وكم تكون دهشتهم عندما يجدون الاختلافات الكبيرة في وصفهم للشارع مع انهم كلهم مشوا في نفس الطريق، فشخص يذكر كيف ان الشارع تجاري و مليئ بالمحال التجارية الراقية، وشخص يذكر ان الشارع ديني مليئ بالكنائس القديمة، وشخص يذكر ان الشارع مليئ بالمطاعم والمقاهي، وان سألت من رأى المحال عن الكنيسة فقد يقول انه لم يراها والعكس صحيح!! كيف ذلك؟ الا نعيش في نفس العالم المادي؟ نفسية الشخص ومبادئه واخلاقه تحدد له ما يرى وما يعطيه اهتمامه وانتباهه، الجائع يرى الطعام في كل شيئ، وطالب العلم يرى المكتبات، والمتدين قد يرى اماكن العبادة اكثر من غيره وقد يرى الفساد اكثر من غيره ايضا، العين هي تحت سيطرة المخ، وحركتها محكومة بنفسية الشخص وثقافته، فعندما ينظر الشخص الى شيئ ما فانه لا ينظر الى اشياء اخرى كثيرة من حوله، وعندما تصغي لشيئ ما فانك تقفل سمعك عن اشياء كثيرة اخرى، الانتباه يكون لشيئ واحد في كل لحظة، واحتياجات الشخص وحالته النفسية تحدد ما يرى وما يسمع، اذا ما نراه وما نسمعه وما ندركه من العالم المادي يختلف من شخص الى اخر، وهناك ايضا العالم النفسي المعنوي، عالم المعاني، فهدية حصل عليها الشخص من عزيز قد تعني الكثير له بينما قد لا تعني شيئا لغيره، ومدرسة الطفولة قد تعني لك اشياء لا تعنيها لغيرك، فالاشياء والاحداث والناس لها معاني مختلفة من شخص الى اخر، فانت لزوجك تعني شيئا غير ما تعنيه لوالديك وغير ما تعنيه لاخوتك او اخواتك او اصدقائك او للغرباء في الطريق، انت كيان جسدي واحد ولكن لك معاني مختلفة، وقد يكون شخص جذاب في رأي بعض الناس ومنفر في رأي اخرين، فكل منا يعيش في عالمه الخاص المحكوم بحالته النفسية واحتياجاته ومبادئه واخلاقه وحضارته وتربيته، لا بد ان نعرف ان وعينا ليس حق مطلق ولكنه ناتج عن حالتنا النفسية، فالعالم الخارجي هو موجود ولكن نحن فقط ندرك وعينا، فمثلا الشجرة التي تراها هي في وعيك وفي المخ، بالطبع هناك شجرة في الخارج، ولكن الشجرة التي تراها هي في المخ، فالضرير لن يرى الشجرة، وهناك انواع من المخدرات قد تجعل الشخص يرى الشجرة تحدثه وترقص امامه، هناك قصة الفيل والعمي الشهيرة، ذهب مجموعة من العمي الى حديقة الحيوان واقتربوا من الفيل وامسك كل منهم بجزء من الفيل، فالذي امسك بذيل الفيل قال ان الفيل نحيف وطويل، والذي امسك باذنه قال ان الفيل رقيق وعريض، والذي امسك بساقه قال انه سميك وغليظ، واختلفوا، وتصارعوا، كل شخص يظن ان الحق ما يقول وان الاخرين كاذبون، والحقيقة انهم كلهم على حق، ولكن كل شخص ممسك بجزء من الواقع، ولا بد ان نضع كل الاجزاء معا حتى نرى الصورة الكبيرة، وكل جزء مهم حتى نرى الواقع كاملا.
الجمعة, 10 اغسطس, 2007
Add a Comment
د/ ماجد عشي تحية طيبة ...
اشكرك على هذه المقالة المفيدة فقد لفتت نظري واعجبتني كثيرا وهذه اول مرة ازور الموقع الخاص بكم .
اوافقك القول ان كل انسان يرى ما يدور حولة بمنظاره هو الشخصي وعلى حسب الحالة النفسية التي يمر فيها . فقد تجد شخص يرى البحر جميلا جدا في يوم من الايام وبعد فتره يراه مره اخرى فيجده مخيف وموحش . والسبب انه في المره الاولى كان سعيدا ومستقر نفسيا اما المرة الثانية فقد كان يمر بازمة نفسية جعلته يرى البحر بهذا الشكل على الرغم من ان البحر لم يتغير .
اشكرك مره اخرى واتمنى لك التوفيق والنجاح .
Add a Comment
<<Home










من المملكة العربية السعودية