اولا وصف الجنون هو وصف يستخدمه الناس ولا يستخدمه المختصون، وهو وصف يطلقه الناس على اشخاص سلوكهم غريب جدا كمن يكلمون انفسهم او يمشون في الشوارع عراة او يتحدثون في اشياء غريبة على الناس، بالطبع الافلام مليئة بهذه النماذج التي رسخت عند الناس هذه الصور والانطباعات، وفي الحقيقة ليس كل من عنده مرض عقلي او "جنون" يتصرف بهذه الطرق، ولكن هناك حالات متأخرة يكون فيها الشخص اقرب الى الصورة النمطية للمرض العقلي، المختصون يستخدمون كلمة فصام بدل جنون، فكلمة جنون كلمة سلبية للغاية وتستخدم من قبل البعض لتوجيه الاهانة او السخرية ولها كثير من المعاني السلبية عن المرض العقلي، كلمة الفصام تأتي في جزء منها من ان الشخص في تلك الحالة يصبح منفصلا عن الواقع، بمعنى انه لا يرى الواقع بشكل صحيح، وهذا غير ما يعرف عند الناس بانفصام الشخصية او تعدد الشخصيات، وسوف نتحدث عن هذه الاضطرابات في مكان اخر، ويبدأ الفصام عادة في مرحلة المراهقة ونادرا ما يبدأ بعد سن الخامسة والاربعين، هناك امراض للشيخوخة ولكنها غير الفصام،
واعراض الفصام نوعان: ايجابي وسلبي، الاعراض الايجابية هي ان تظهر على الشخص امور لم تكن موجودة قبلا مثل الهلاوس، والاعراض السلبية هي ان يفقد الشخص قدرات كانت لديه مثل ان يفقد القدرة على الرد العاطفي، فما هي الهلاوس؟ هناك هلاوس بصرية كأن يرى الشخص اشياء او اناس لا يراهم غيره، ويمكن للمريض رسم مايرى على الورق حتى يرى الاخرون ما يرى، فقد يرى حيوانات تمر امامه في الغرفة او اناس احياء او اموات، او يرى دما على الجدران او مخلوقات من كواكب اخرى وغيرها من الاشياء التي لا يراها غيره،
وهناك الهلاوس السمعية وهي الاكثر انتشارا وحدوثا، فيسمع الشخص اصواتا لا يسمعها غيره، قد يكون صوتا واحدا لامرأة او رجل او طفل، وقد تكون اصوات عديدة تحدثه او تتحدث مع بعضها او تتحدث عنه، فاحيانا تكون الاصوات كمن يجلس في غرفة ويسمع عائلة او جماعة من الناس تتحدث في غرفة اخرى او في الطابق العلوي من المنزل، واحيانا يكون جنس الصوت غير واضح ان كان امرأة او رجل، ومحتوى الكلام الذي يسمعه الشخص يكون مختلفا حسب الحالة، فاحيانا يسمع الشخص صوتا يمازحه ويقول له نكت، ولذلك نرى بعض مرضى الفصام يضحكون دون سبب واضح، واحيانا يكون الصوت ناقدا للشخص ويوجه له الاهانات باستمرار، واحيانا يكون الصوت معلقا على سلوك الشخص كالمعلق في مباراة الكرة، واحيانا يسمع الشخص صوتا يأمره بارتكاب جريمة كقتل شخص ما او قتل النفس او ضرب او اغتصاب او دفع شخص امام القطار وما الى ذلك، ويحاول الشخص وقف هذا الصوت والخصام معه ولذلك نرى احيانا مرضى فصام يصيحون ويتعاركون مع "انفسهم"، فالناس لا تعلم سبب الغضب،
وهناك ايضا هلاوس الشم والتذوق كأن يشم الشخص رائحة دم ولا يشمها غيره، وهناك الهلاوس الجسمية كأن يشعر الشخص وكأن حشرات تتحرك على ساقه او ان يفقد الاحساس في جزء من جسمه دون سبب، ولا بد ان نعرف ان هذه الهلاوس لا تنتج دائما عن فصام، فقد تنتج عن استخدام مخدرات او ادوية او نتيجة امراض عضوية او نفسية اخرى، او حتى تحت الضغط النفسي الشديد او نتيجة لعدم النوم لفترات طويلة او الارهاق الشديد، بالطبع تكون مؤقته في هذه الحالات اما في الفصام فتوجد لفترات طويلة،
ومن اعراض الفصام ايضا وجود اعتقادات خاطئة عند الشخص، كمن يعتقد انه نابليون، او كمن يعتقد ان الناس تتآمر على قتله او ان المخابرات تتبعه او ان مذيع التلفزيون يعاكس زوجته او يحدثه هو شخصيا، ويصنف المختصون هذه الاعتقادات الى اعتقادات خاطئة غريبة واعتقادات خاطئة ليست غريبة، فمثلا ان يعتقد الشخص انه نابليون او ان الناس هم شياطين متسترة فهذه اعتقادات غريبة ويمكن لاي شخص عاقل رؤية ذلك، اما ان يعتقد الشخص ان المخابرات تتبعه او ان زوجته تخونه فهذه اعتقادات خاطئة ولكنها ليست غريبة، فالمخابرات عملها متابعة الناس سرا، وقد تخون الزوجة، فمن الصعب معرفة ان كانت هذه الاعتقادات حقيقة ام مجرد اوهام، والطبيب النفسي ليس محققا ليذهب للبحث ان كان ما يقوله الشخص حقيقة ام وهم، فلا بد من دراسة الحالة بدقة للوصول الى رأي في هذا الامر، فان كان الشخص مقتنع دون ادلة وبراهين ويقاوم تغيير رأيه بالرغم من ما يثبت عدم صحة اعتقاده فهذا دليل مرض، وفي حقيقة الامر انه لا يهم ما هي الحقيقة، المهم مصدر هذه الاعتقادات، فقد تكون الزوجة خائنة فعلا، وقد تكون المخابرات تتبع الشخص، ولكن اعتقاداته هذه اعراض مرض عقلي!! فقد يتصادف ان يكون الوهم مطابق للحقيقة، ولكنه ما زال وهما لانه غير مبني على الواقع،
ومن اعراض الفصام الاضطراب في الكلام، فيكون كلام الشخص غير مفهوم وتكون الكلمات مرصوصة جنبا الى جنب دون معنى، كأن يقول الشخص: "الارنب اعطاني كتاب النسر الجائع ينتظر التلفون عند عمي الاخضر لماذا الولد الجو امس"، كما يكون التفكير غير منظم، فيغير الشخص الموضوع فجأة دون ان ينهيه ولا يستطيع التركيز، وعواطف الشخص تكون غير مناسبة للموقف وسطحية، كأن تقول للمريض ان والده توفى فينظر اليك دون اي انفعال عاطفي ويقول "طيب"، واحيانا تصاحب هذه الاعراض اضطرابات سلوكية كأن يضرب الشخص الناس او يلقي عليهم حجارة او ان يمشي عاريا وما الى ذلك، واحيانا يأخذ الشخص اوضاع جسمية غريبة ويتجمد فيها، كأن يقف على رأسه لساعات، او ان يجلس في وضع غريب ويجيب فقط بكلمة او جملة واحدة ان حدثه احد، كأن يجيب: "اثنين" او "سلمى راحت" وما الى ذلك،
وبالطبع قد تؤثر هذه الاعراض على حياة الشخص وعمله وعلاقاته ووضعه الاجتماعي والمادي، ومن المهم ان نعرف ان هذه الاعراض يمكن السيطرة عليها الى حد كبير من خلال الادوية والعلاج النفسي والسلوكي، كما يمكن تدريب الشخص على التعامل معها واكتساب مهارات تساعده في ان يعيش حياة مستقلة وطبيعية قدر الامكان، "فالجنون" ليس دائما كما يظهر في الافلام، فان تركنا الامور دون علاج وساءت فقد تصل الى حد متأخر، ولكن ان تابعنا الحالة وقمنا برعاية المريض قدر الامكان فان كثيرا من هذه الاعراض يمكن السيطرة عليها .








