مرض ام اضطراب نفسي؟ الخوف من الوصمة

في السنوات الاخيرة ابتعد الاطباء النفسيين وعلماء النفس عن استخدام مصطلح المرض النفسي واستبدلوه بمصطلح الاضطراب النفسي، فلا يتحدثون عن امراض نفسية وانما اضطرابات نفسية، لماذا؟ تعبير مرض نفسي يحمل الكثير من الكنايات والمعاني السلبية في المجتمع والتي لا تساعد المريض، وهنا ايضا لابد ان نفرق بين ثلاث مصطلحات: المرض، العلة، والوصمة الاجتماعية، العلة هو ما يراه الطبيب، والمرض هو ما يراه المريض، والوصمة هي ما يراه المجتمع، فالعلة هي التفسير الطبي لحالة جسم الشخص، فمثلا قد يجد الطبيب ان السكر او الضغط عالي عند شخص ما مع انه لا يشتكي من اي اعراض، فيحدث كثيرا ان يجد الطب ان الشخص يعاني من علة في جسده مع انه لا يشعر باي خلل، المرض هو ما يشعر به المريض، كأن يشعر بصداع او دوخة او ألم، فهو يشعر انه مريض وليس على ما يرام، فيذهب الى الطبيب وقد يجد الطبيب العلة وقد لا يجد به اي علة، فكم مرة زار شخص الطبيب شاكيا من الآم في الجسم ويخبره الطبيب بعد الفحص انه بخير ولا يوجد عنده مرض! فلا بد ان نعرف ان هناك فرق بين ما يشعر به المريض وما يراه الطبيب، فليس كل العلل لها اعراض يشعر بها المريض وليس كل الاعراض هي لعلل واضحة، فقد يشكي الشخص من اشياء جسمية ناتجة عن مشاكل نفسية، اما الوصمة الاجتماعية فهي ردة فعل المجتمع لمرض الشخص ونظرتهم له، فردة فعل المجتمع لمريض السرطان تختلف عن ردة فعله لمريض الايدز او للمريض النفسي، فكل مجتمع لديه تراث ثقافي يفسر به اسباب الامراض المختلفة ومدى مسؤولية الشخص عن حدوثها والمعاني الاخلاقية او الدينية المرتبطة بها، فالاعتقاد السائد هو ان مريض السرطان بريء وغير مسؤول عن حدوث مرضه عموما بينما يلام مريض الايدز على سلوكه ويلام المريض النفسي على ضعفه او ضعف ايمانه او تفسر حالته على انها مس او عين او غيره، وكثير من هذه التفسيرات خطأ ولكنها متوارثه في المجتمع، فكم من طفل اصيب بالايدز، وكم من زوجة عفيفة نقل لها زوجها المرض، فالايدز مثال للامراض التي تتداخل فيها الاحكام الدينية مع الاخلاقية مع الطبية، وفي مثل هذه الحالات يعاني المريض من الوصمة الاجتماعية بالاضافة لمعاناة المرض نفسه، ونتيجة خوف الشخص من هذه الوصمة فانه لايزور الطبيب للكشف عن الحالة كما يحاول بكل جهد ان يبعد الوصمة عن نفسه بانكار وجود المشكلة حتى لو ظهرت اعراض عليه، وللمرض النفسي مثل هذه الوصمة خصوصا في المجتمعات العربية، وذلك ناتج عن ضعف الثقافة النفسية وتقاعس الاعلام والمدارس عن توعية المجتمع بالمشاكل النفسية، فكثير من السلوكيات الغريبة من حولنا والتي لا نفهمها او تزعجنا هي مجرد اعراض لاضطرابات نفسية معروفة عند الاخصائيين ولكن غائبة عن المجتمع لنقص الثقافة النفسية، فالتفسيرات الاخلاقية لانحراف السلوك غير كافية احيانا ولا بد من وضع احتمال وجود اضطراب نفسي وراء السلوك، فقلة من المرضى النفسيين "يكلمون انفسهم" ويمشون في الشوارع بملابس ممزقة، فغالبية من يعانون اضطرابا نفسيا هم اناس عاديون، اذكياء وخيرون ويشاركون بشكل عادي في بناء المجتمع ولكنهم يعانون لفترة ما من اضطراب في احد الجوانب التي يمكن في حالات كثيرة علاجها، فكلمة اضطراب توحي بان الخلل مؤقت بينما كلمة مرض قد توحي باستمرارية المشكلة، فلا بد من ازالة هذه الوصمة حتى يمكننا بناء مجتمع صحيح، يعرف كيف يفسر مشاكله ويعالجها ويمنعها قبل ان تستفحل وتنتشر في المجتمع وتظهر وكأنها امور عادية وهي في حقيقة الامر امراض عقلية ونفسية.   



Add a Comment



Add a Comment

<<Home